"فكر" العاشر .. وقضية الساعة

يكتسب المؤتمر السنوي لمؤسّسة الفكر العربي (فكر) أهميّة استثنائيّة هذا العام، إذ يُوافق عقد دورته هذه الذكرى العاشرة لانطلاقته. كما تتقاطع هذه الدورة مع الأحداث الاستثنائيّة والدقيقة التي يشهدها وطننا العربي.
وقد حرصت المؤسّسة - طوال عقد من الزمن- على الإسهام المباشر في تحريك الساحة الفكريّة العربيّة، من خلال رصدها متواليات الأمور، وإطلاقها آفاقاً جديدة بنّاءة. وفي هذا، كان مؤتمر (فكر) سبّاقاً، دائماً، إلى التفكير بحاضر العرب ومستقبلهم، والنظر بعيون فاحصة لما يحدث من مستجدّات، وحشد الطاقات الفكرية لمعالجة التحديات الثقافيّة والاقتصادية والتنموية والاجتماعية والسياسية التي يواجهها وطننا العربي.

وممّا لا شكّ فيه، أنّ الأحداث التي تعصف بوطننا العربي اليوم، والتي اصطلح الإعلاميون على تسميتها "الربيع العربي"، هي أحداثٌ غير مسبوقة إن في طبيعتها أو في حجمها وانتشارها، ولا شك أن هذا يحتّم تسخير كلّ الطاقات والإمكانات والجهود لقيام حوار عميق وواعٍ حول دواعي هذه الأحداث ونتائجها، ورصد وتحليل كلّ الحقائق حولها، وأخذ العبر والدروس منها، وتوجيهها لمصلحة الأمّة العربية ومستقبل أجيالها المقبلة.
من هنا جاء عنوان المؤتمر السنوي العاشر لمؤسّسة الفكر العربي (فكر) "ماذا بعد الربيع؟"؛ متطرّقاً إلى صميم الحدث، ومعبّراً عن هواجس وأسئلة المشاركين في صنع الربيع العربي، والراصدين له، والمتفائلين به، وكذلك، بالطبع، المتوجسين من تبعاته.

وكانت القاهرة قد شهدت، منتصف عام 2001م، قيام هذه المؤسسة. وفي خريف العام نفسه بدأ وطننا العربي يعاني ذروة تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي تجسدت في أشرس هجوم إعلامي ودعائي ضدّ العرب والمسلمين.
وقد بدأ الحراك الفكري لهذه المؤسسة عبر مؤتمرها السنوي الأول، الذي انعقد في القاهرة العام التالي في هذا المناخ، ثم تنقّل المؤتمر من بعدها بين عواصم ومدن عربيّة عدّة...

ففي بيروت طرح المؤتمر في دورته الثانية "استشراف المستقبل العربي"، مستخلصاً رؤية مستقبليّة يمكن الاستفادة منها في الإرهاص بمشروع نهضوي عربي شامل ومتجدّد. ثم انتقل "فكر" إلى مراكش في دورته الثالثة، حيث بلور حراكاً فكريّاً عربيّاً حول " ثقافة التغيير وتغيير الثقافة" ولعله كان يستشرف الحاجة إلى أن يتم التغيير بأيدينا بدلاً من أن يفرض علينا.

وكانت دبي المحطة الرابعة لـ (فكر)، حيث ناقش المؤتمر قضايا الإعلام العربي والعالمي تحت عنوانٍ حمّال أوجه هو "الإعلام العربي والأجنبي بين التغطية والحقيقة"، داعيًا لعقد الولاء الدائم للحقيقة وتغطيتها، وتقديمها للناس بكامل تفاصيلها، وإلى موضوعيّة التعليق عليها.

ولم يتمكّن (فكر) في عامه الخامس من الوصول إلى بيروت، إذ طغت ألسنة لهيب ودمار الحرب الإسرائيليّة على لبنان وما تبعها من أحداث أمنية، فلم يكن بإمكان (فكر) حينها سوى أن يرفع راية "لبنان أقوى بالتضامن العربي".

أمّا مؤتمر (فكر) السنوي السادس في البحرين، فكان كعادته مواكباً للعصر، حيث أطلق آفاقاً جديدة للاستراتيجيات العربيّة في عصر العولمة،وعظّم من تقدير الإبداع وتكريم المبدعين العرب، حيث اختتم فعالياته بإطلاق جائزة "الإبداع العربي" التي تبنّتها مؤسّسة الفكر العربي في سبع مجالات مختلفة.
ولم يتخلّف مؤتمر (فكر) السابع في القاهرة عن نهجه المعتاد فتطرق إلى "ثقافة التنمية" وهي الأكثر إلحاحاً لنجاح مشروع النهضة العربية، وخلال المؤتمر أطلقت المؤسسة أوّل تقرير سنوي شامل للتنمية الثقافية في الوطن العربي.

استكمل (فكر) مسيرته السنويّة الثامنة بتبنّي المبادرات والجهود على درب تفعيل التكامل الاقتصادي العربي. هذه المرّة من الكويت، حيث عُقدت القمّة الاقتصاديّة العربيّة الأولى، داعياً لتوطيد أواصر الشراكة الاقتصاديّة العربيّة من أجل تحقيق الرخاء العربي.
 وعاد المؤتمر من جديد إلى بيروت في عيده التاسع، ليرسم خرائط جديدة للفرص الناشئة، ومستقبل الوطن العربي.

وكما جاء المؤتمر السنوي الأوّل لمؤسّسة الفكر العربي ليُحدث حراكاً فكريّاً، وتغييراً للصورة النمطيّة، وليخرج بالإنسان العربي من نطاق الجمود ويطلق قدراته وطاقاته الإبداعية، في وقت كان العرب تحت المجهر عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يأتي، اليوم، المؤتمر السنوي العاشر للمؤسّسة، والعرب تحت المجهر، مرةً أخرى، في مواجهة حركات التغيير، وكيفية إدارتها، والتكهنات حول ثمارها سلباً وإيجاباً، وهو ما يؤمل من " فكر 10" أن يبحثه ويدرسه بعناية، ليجيب عن مختلف التساؤلات والهموم والقلق والكوابيس والأحلام والمسارات المستقبليّة.
وحيث تدعو مؤسسة الفكر العربي، دائماً، لإشاعة ثقافة التفاؤل والأمل، فإن التفاؤل يحدوها في نجاح هذا المؤتمر في كشف الرؤى التي تقود إلى بناء مستقبل أفضل لهذه الأمة العريقة.