كلمة الأستاذ الدكتور هنري العَويط، المدير العامّ، مؤسّسة الفكر العربيّ

نصّ الكلمة التي ألقاها الأستاذ الدكتور هنري العَويط، المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربيّ، في حفل إطلاق "التقرير العربيّ السابع للتنمية الثقافيّة"

الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 في مركز المؤتمرات – قاعة باريس، فندق لامفيتريت، الصخيرات – المملكة المغربيّة.

صاحبَ السموّ الملكيّ الأمير خالد الفيصل، رئيس مؤسّسة الفكر العربيّ

السيّد الوزير محمد الأمين الصبِيحي، وزير الثقافة في المملكة المغربيّة

أصحابَ السموّ والدولة والمعالي والسعادة والفضيلة

أصحابَ السموّ والمعالي والسعادة أعضاء مجلسَي الأمناء والإدارة والأعضاء المشاركين في مؤسّسة الفكر العربيّ

حضرات ممثّلي المنظّمات والهيئات والمؤسّسات ومراكز الدراسات والأبحاث العربيّة والإقليميّة والدَوليّة

حضرات ممثّلي وسائل الإعلام

السيّداتُ والسادة

أيّها الحفلُ الكريم

 

يُسعدني أن أرحّب بكم أجمل ترحيب، باسم مؤسّسة الفكر العربيّ، في هذا اللقاء المخصّص لإطلاق التقريرِ العربيّ السابع للتنميةِ الثقافيّةِ: "العرب بين مآسي الحاضر وأحلام التغيير: أربعُ سنواتٍ من الربيع العربيّ".

ويُسعدنا أن يتمّ إطلاقُ هذا التقرير هنا بالذات، في هذا البلدِ العريقِ والمضياف، لا لأنّ نُخبةً من كبار الباحثين والمثقّفين المغارِبة قد أغنَوهُ بأفكارهم النيّرة فحسب، بل لأنّ ما قامت به المملكة المغربيّة في إطار "الربيع العربيّ" يُمثّل تجربة رائدة ترتقي إلى مرتبةِ النموذج الذي يُمكن الاعتبارُ به لحُسن تدبُّرِ ما يتخبّط به عالمُنا العربيّ من أزمات، وما يواجهه من تحدّيات. فاسمحوا لي أن أشكرَ باسم مؤسّسة الفكر العربيّ، بل باسمكم جميعاً، السيّدَ وزير الثقافة، على مشاركته الكريمة التي تُعبّرُ عمّا توليه المملكةُ، ملكاً وحكومة وشعباً، شؤونَ الثقافة وقضايا الفكر من اهتمام ورعاية.

أمّا اختيارُ "الربيع العربيّ" موضوعاً لهذا التقرير، فمردُّه إلى أنّ مؤسّسةَ الفكر العربيّ آلت على نفسها، منذ إنشائها، أن تكون قطباً لنقل المعرفة ونقدها وتوليدها ونشرها، وأداةً لإثارة الوعي بالقضايا المصيريّة الكبرى التي تعيشها مجتمعاتُنا ودولُنا. وفي الواقع، عاشت المنطقةُ العربيّةُ كلُّها منذ الرابع عشر من شهر يناير (كانون الثاني) 2011، تاريخِ مغادرة الرئيس السابق زين العابدين بن علي تونس، أحداثاً جساماً وتحوّلاتٍ عميقة، لم يشهدِ العالمُ العربيّ مثيلاً لها في تاريخه الحديث. وبقدر ما جيّشت هذه الأحداثُ حماسَ شعوب المنطقة، وفتحت أمامها أبوابَ الأمل على مصاريعها، ارتسمت كذلك على طريقها مساراتٌ مخيِّبة حوّلت "الربيع العربيّ" إلى "خريف"، بل إلى مأساةٍ عاصفةٍ ومظلمةٍ ودامية.

هذا الحدثُ الجلل، شَغَل، ولمّا يزل، العالمَ بأسره، فأقبل الباحثون والمفكّرون والخبراء من كلّ حدبٍ وصوب، وعلى اختلاف تخصّصاتهم وتوجّهاتهم ومجالات اهتمامهم، يدرسون هذه الظاهرةَ وتطوّراتِها، ولاسيّما بعدما أسفرت الأحداث، في ظلّ التحوّلات الإقليميّة والدوليّة، عن انحرافاتٍ خطيرة تُنذر بمستقبلٍ قاتمٍ قد يطاول الوجودَ العربيّ نفسَه.

فكيف والحالةُ هذه لا ترى مؤسّسةُ الفكر العربي أنّ من واجبها القيامَ بمراجعةٍ نقديّةٍ شاملة لهذه الظاهرة المفصليَّة، وهي المعنيّةُ إلى أبعد الحدود بأوضاع الدول العربيّة وأحوال شعوبها، والساعيةُ دوماً إلى البحث عن أنجع السبل التي تمكّنها من التصدّي للتحدّيات الكبرى التي تواجهها، والملتزمةُ بالتوعية على ما يرتّبه علينا جميعاً، حكّاماً ومواطنين، بناءُ المستقبل الذي نطمح إليه، من تبعاتٍ ومسؤوليّات؟

هذه المسؤوليّةُ وهذا الالتزامُ هما اللذان حملانا على إعداد هذا التقرير، وسوّغا اختيارَ موضوعه.

يتألّف هذا التقرير من ستّةٍ وخمسين بحثاً، توزّعت على ستّةِ أبوابٍ مستقلّة ولكنّها متكاملة. ولا يتجلّى استقلالُها في الحريّة المعطاة للقارئ للشروع في قراءة الباب الذي يختاره من غير أن يكون مضطرّاً إلى احترام تسلسل الابواب فحسب، بل أيضاً للإقتصار على مطالعة واحدٍ أو أكثر من هذه الأبواب من غير أن يكون ملزماً بمطالعتها كلّها. لا بل يمكنه أن يقرّر، في ضوء اهتماماته، الاكتفاءَ بقراءة بحثٍ واحد من الأبحاث التي يتضمّنها هذا البابُ أو ذاك. ومن زاوية النظر هذه، يبدو التقريرُ العربيُّ السابعُ للتنمية الثقافيّة وكأنّه مجموعةٌ من التقارير التي يوازي عددُها عددَ الكتّاب المشاركين فيه.

ولكنّ ما تتمتّع به الأبوابُ والأبحاثُ من استقلاليّة ذاتيّة لا يُلغي ما بينها من ترابطٍ وتكامل يحثّان الراغبَ في تكوين فكرةٍ شاملة عن ظاهرة الربيع العربيّ على قراءة التقرير بكامله.

يتجلّى هذا الطابعُ التكامليّ في ما يتّصف به هذا التقرير من تعدّد، وهو من أبرز السمات التي تميّزه. ولا يقتصر التعدّدُ المقصود على تنوّع الأبواب ووفرة الأبحاث فحسب، بل أيضاً على تعدّد البلدان العربيّة الخمسة التي كانت مسرحاً لبزوغ الربيع العربيّ، وقد شكّلت موضوعَ الباب الأوّل، وتعدّدِ بلدانِ مجلس التعاون الخليجي المؤثّرة فيه، أو المتأثّرةِ به، وقد تناولها التقريرُ في بابه الرابع، ناهيك عن البلدان الإقليميّة الفاعلة، وهي تركيا، وإيران، والكيان الصهيوني، والبلدانِ صاحبة النفوذ الواسع على المسرح الدوليّ، المُتمثِّلةِ في التقرير بالولايات المتحدة الأميركيّة، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإلمانيا، والهند، واليابان، وقد سلّط التقريرُ الضَؤ على أدوارها في بابه الخامس.

هذا التعدّد الذي يتمّ في إطاره التركيزُ على كلّ بلدٍ من البلدان المعنيّة ضمن حدوده الجغرافيّة، يقابله تعدّدٌ من نمطٍ مختلف، تعدّدٌ عابرٌ للحدود. فالباب الثاني، وهو أكبر أبواب التقرير حجماً، يجمع بين دفّتيه مروحةً واسعةً من ألوان التعدّد: تعدّدُ الموضوعات والمحاور البينّية التي يتداخل فيها السياسيّ، والاقتصاديّ، والاجتماعيّ، والدينيّ، والإعلاميّ، والقانونيّ؛ وتعدّدُ المقاربات أيضاً تبعاً لبنائها على أسس علم النفس، أو الفلسفة، أو التاريخ، أو الدين، أو الانتربولوجيا، أو السوسيولوجيا، أو غيرها من العلوم.

وعلى مستوىً آخر، يتجلّى الطابعُ التكامليّ في التقرير من خلال مراعاة مبدأ توزيع موادّه على ثلاثة ابعاد هي البعد التوثيقيّ والبعد التحليليّ والبعد الاستشرافيّ. فالتقرير حافلّ بأسماء الاشخاص والأماكن، وزاخرٌ بالتواريخ، في عمليّة رصدٍ كرونولوجيّ وتسجيلٍ مفصّلٍ وأمينٍ ودقيق ليوميّات الأحداث والوقائع. ولكنّ البعدَ التوثيقيّ، على أهميّته وضرورته وفائدته، لا يستنفد أغراضَ التقرير ومضامينَه، وقد تمّ تجاوزُه في معظم الأبحاث بالتركيز على الجهد التحليليّ. وهذا المنحى بارزٌ في السعي الدؤوب إلى البحث عن الأسباب الظاهرة والخفيّة، المباشِرة والبعيدة، بما فيها تلك المرتبطة بنظرية المؤامرة، والتي تفسّر بتشابكها وتداخلها وقوعَ الأحداث وتسلسلَها ومسارَها، وبارزٌ أيضاً في الحرص على صوغ الفرضيّات المختلفة ومحاولة إقامة الدليل الذي يُثبت صحّةَ بعضها وتهافتَ بعضها الآخر، وفي إيثار الأجوبة المركبّة والإشكاليّة على الإجابات التبسيطيّة المتسرّعة والمختزلة. ولا غروَ في أنّ المنهجيّةَ البحثيّة الصارمة التي تمّ اعتمادُها في عددٍ لا يُستهان به من المقالات هي التي أهلّتها لأن ترتقي إلى مصاف الدراسات الأكاديميّة الرصينة والراقية.

وأمّا البعدُ الاستشرافيّ الذي تظهر بعضُ ملامحه في ثنايا معظم الأبحاث، فلقد خُصصّ البابُ الثالثُ بأكمله لعرض تصوّراته ورؤاه المستقبليّة، تجسيداً وتوكيداً لاقتناعنا بضرورة تجنّب سجن ظاهرة الربيع العربيّ في لحظتها الآنيّة الراهنة، وبضرورة التبصّر في صيرورتها ومآلاتها في ضؤ التجارب التاريخيّة المماثلة، ومن خلال إدراج ديناميتها المتحرّكة والمتطوّرة في مداها الزمنيّ الطويل.

وقد يبدو للقارئ أنّ موضوعَ هذا التقرير ومادّتَهُ هما إلى السياسة أقربُ منهما إلى الثقافة. غير أنّ الحقيقةَ التي يُظهرها مضمونُ التقرير، هي أنّ المسألةَ الثقافيّة حاضرةٌ بقوّةٍ في مقاربة هذا الموضوع، سواء ألبِسَت لبوساً سياسيّاً أم استراتيجيّاً أم اقتصاديّاً أم فكريّاً أم فنّيّاً أم أدبيّاً. وهذا البعدُ الثقافيُّ الماثِلُ في أبواب التقرير الخمسة الأولى، يتكثّفُ ويبلغُ أقصى مداه في الباب السادس الأخير، وقد ضمّ قراءاتٍ مفصّلةً ومُعمّقةً في النتاج الثقافيّ والفكريّ الذي ولَّده "الربيع العربي"، عارضاً انعكاساته في مرايا الرواية، والمسرح، والشعر، والسينما، والدراما التلفزيونيّة، والفنّ التشكيليّ، والغرافيتيّ، والشعارات السياسيّة، والهِتافات الشعبيّة، والأغنية، والموسيقى.

صحيحٌ أنّ هذا التقرير ليس المؤلَّفَ الأوّلَ المكرّسَ للربيع العربيّ، فقد خصّ هذه الظاهرةَ الاستثنائيّة عددٌ كبيرٌ من المفكّرين والباحثين والخبراء، في مشارق الأرض ومغاربها، باهتمامٍ منقطع النظير.

ولا يدّعي التقريرُ أنّ ما اشتمل عليه من أبحاث يشكّل إحاطةً وافيةً بظاهرة الربيع العربيّ، سواء على صعيد تحرّي أسبابها ودواعيها ومنطلقاتها، أم لجهة عرض أحداثها ومساراتها وتطوّراتها، أم في السعي إلى استخلاص نتائجها واستجلاء مآلاتها. وهو لا يدّعي أنّه قدّم الأجوبةَ القاطعةَ والشافية عن الأسئلة والتساؤلات الجمّة التي طرحها، ولا بالأحرى عن تلك التي لا بدّ له أن يثيرَها لدى قرّائه. وكيف يسعه ذلك في بضع مئاتٍ من الصفحات، وقد عجزت عن تحقيقه مئاتُ المؤلّفات باللغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، التي يفتخرُ تقريرُنا بأنّهُ أوّلُ من قام برصدها وبإعداد قائمةٍ بيبلوغرافيّة بها، وبالتعريف بايجازٍ بمحتوى كلّ واحدٍ منها في بابه السادس الأخير؟ بل كيف يسعه أن يوردَ القولَ الفصل في ظاهرةٍ يرى الكثيرون أنّ فصولَها لم تكتمل بعد، وأنّ موجاتِها الارتداديّة ستستمرّ طويلاً؟ وكيف، على كلِّ حال، يسعه الحسمُ في شأن قضايا تحتّم طبيعتُها وتفاعلاتُها وتداعياتُها أن يبقى النقاش حولها مفتوحاً؟

غير أنّ من أبرز الخصائص التي يمتاز بها هذا التقريرُ عن غيره من الإصدارات الكثيرة التي تناولتِ الربيعَ العربيّ، جمعَهُ ما يتعلّق بمعظم جوانبه في ملفٍّ واحد. ويستطيع واحدُنا وهو يستعرض فهرست المحتويات أن يتبيّن هذا المنحى البانورامي الذي يسم التقريرَ بميسمه الطاغي، فضلاً عن تنوّع مجالات اختصاص النخبة من الكتّاب الذين تمّ استقطابُهم للمساهمة فيه، وقد راعَينا في اختيارهم معيارَ الكفاءة، والرصانة العلميّة، وتعدُّدِ مذاهبهم الفكريّة، فضلاً عن توزّعهم على مختلف البلدان العربيّة. ولا إخالنا نجانب الصواب إذا جزمنا بأنّه ما من وثيقةٍ نشريّةٍ واحدة، أعربيّةً كانت أم أجنبيّة، قد أحاطت حتّى الآن بهذا الموضوع على هذه الصورة من التنوّع والشمول.

فعسى أن يتحقّقَ هدفُ مؤسّسة الفكر العربيّ من إصداره، وأن تتكلّلَ بالنجاح جهودُ فريقِ مركز البحوث والدراسات الذي أشرف على إعداده، فيغدو هذا التقريرُ مرجعاً ومنهلاً لصنّاع الرأي وأصحاب القرار السياسيّ، والباحثين، والكتّاب، والمثقّفين، والأكاديميّين، وطلبة الدراسات العليا، والإعلاميّين، بل لجميع المعنيّين والمهتميّن بحاضر العالم العربيّ ومستقبله.

وإذ أجدّدُ خالصَ شكرنا للسيّد وزير الثقافة على مشاركته الكريمة وكلمته الراقية، اسمحوا لي أن أخصّ وسائل الإعلام بعاطفة تقديرٍ وامتنان، على حضورِ ممثّليها الكثيف في هذا اللقاء، وعلى اهتمامها المتواصل بتغطية أنشطةِ مؤسّسةِ الفكر العربيّ، ولأنّها من أبرز شركائنا المميّزين في خدمة الفكر وتعزيز الثقافة، وحمل مِشعل التنوير.

وكلُّ تقريرٍ عربيٍّ للتنميةِ الثقافيّة وأنتم بألف خير. وعليكم، أيُّها الكِرام، ألفُ سلام!