نصّ الكلمة التي ألقاها الدكتور محمد القحطاني، نائب الرئيس للتخطيط العامّ لأرامكو السعودية

 

 

دور الشركات الوطنيّة الكبرى في تحفيز التكامل

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

صاحبَ الجلالةِ، الملك محمد السادس بن الحسن، ملك المغرب

صاحبَ السمو الملكي الأمير خالد الفيصل

أصحابَ السمو والمعالي والسعادة

أيها الحضورُ الكرام

 

السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،

 

يُشرِّفني أن أشاركَ، إنابةً عن أرامكو السعودية، أمامَ نخبةٍ من قادةِ الفكرِ في عالمنا العربي في هذا المحفلِ السنوي الكبير، وأودُّ في هذا المقامِ أن أتوجّه بالشكرِ والتقديرِ لمؤسسةِ الفكرِ العربي، وعلى رأسها صاحبُ السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، على رعايتها لهذا المنبرِ الفكري المميّزِ، وإيمانها بأن التغييرَ يبدأُ من صياغةِ الفكرِ المستنير.

 

كما أودُّ أن أتقدمَ أيضًا بالشكرِ الجزيلِ لمملكةِ المغرب حكومةً وشعباً، على ما غمرونا به من كرم ضيافة وترحيبٍ بالغ منذ أن وطأتْ أقدامُنا أرضَ هذه البلد الطيبة.

 

أيها السيداتُ والسادة،

بصفتي ممثّلاً لأرامكو السعودية، وهي شركةُ البترولِ الوطنيةِ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ، فسأركزُّ هنا على دورِ الشركاتِ الكُبرى في تحفيزِ التكاملِ العربي، ولا سيّما البعدُ الاقتصادي. 

 

وبدايةً، فالعالمُ العربي يعجُّ بالمزايا والمواردِ والطاقاتِ الطبيعيةِ والبشريةِ التي لم يتم تطويرهَا بالشكلِ الكافي، وبالتالي فإنَّ آفاقَ النمو واعدةٌ إذا استطعنا تذليلَ العقبات. فنحنُ العربَ على سبيلِ المثالِ نزيدُ عددًا ومساحةً على الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية. وفي حين يشكِّلُ العربُ نحو 5 % من تعدادِ سكانِ الكرةِ الأرضيةِ إلا أننا نمتلكُ نحو 50% من أحدِ أهمِّ المواردِ الطبيعيةِ على الصعيدِ العالمي، وهي الثروةُ البتروليةُ، سواءً في منطقةِ الخليجِ العربي أو شمالِ أفريقيا، ومع ذلك فدولةٌ واحدةٌ كألمانيا الغربية مساحتُها تعادلُ 2% من مساحةِ العالمِ العربي، وتعدادُ سكانِها يبلغُ نحوَ خُمس سكانِ العالمِ العربي، فإن اقتصادَهَا المبنيَّ على الخدماتِ والتصنيعِ يُعادلُ اقتصادَ الدولِ العربيةِ مجتمعةً. 

 

وإذا تأملنا العالمَ حولنا نجدُ أنَّ أحدَ أهمِّ تجلياتِ العشرينَ سنةً الماضيةِ هو بزوغُ عصرِ التكتلاتِ الاقتصاديةِ الإقليميةِ والعملِ المشترك بين دولٍ كبيرةٍ وقوية، فالتحدياتُ والمخاطرُ التي نواجهُها كأفرادٍ ومؤسساتٍ وأوطانٍ لا يُمكنُ مواجهتها منفردينَ مهما كانتْ قدراتُنا. لذلك، أدركتِ العديدُ من الدولِ جدوى التكتلِ والتكاملِ لكي تحقّقَ مجتمعةً ما لا تستطيعُ كلُّ دولةٍ تحقيقَهُ منفردة. ولنا عبرةٌ في تعزيزِ النموِّ الاقتصادي في تجربةِ الاتحادِ الأوروبي، كما أنَّ لنا عبرةً في تكتلِّ النافتا في أمريكا الشماليةِ وتكتلِ الآسيان في جنوبِ شرقِ آسيا. 

 

ولا يخفى عليكم أن عمليةَ التكاملِ وتكوينَ التكتلاتِ بين الدولِ ليستْ بالعمليةِ السهلةِ ولا السلسةِ، فهي لا تحدثُ بينَ يومٍ وليلةٍ، بل هي عمليةٌ معقدةٌ وتدريجيةٌ بطبيعتِها وتكونُ محفوفةً بكثيرٍ من الجدلِ والمعوقات. فولادةُ الاتحادِ الأوربي استغرقتْ نحو 40 سنةً من نشوءِ الفكرةِ إلى مرحلةِ التأسيس، وكانتْ في بداياتها ذاتَ توجُّهٍ اقتصادي، وما تزال تلك العملية رغمَ نضجها واستقرارها في نموٍّ مستمرٍ واستيعابٍ لدولٍ جديدة. 

 

كما أن حلمَ التكاملِ الشاملِ لا يتحققُ بإطلاقِ الرؤى وتحفيزِ المشاعرِ فقط، إذ لا بدَّ من توفُّرِ حدٍّ أدنى وموضوعيٍّ من التجانسِ الاقتصادي والثقافي والمصالحِ المتبادلةِ والمشتركةِ، مع الاستفادةِ من المميزاتِ النسبيةِ في البلدانِ العربيةِ المختلفة لتحقيق الهدفِ المنشود، وذلك هو الأساسُ لأي تكاملٍ يمتلكُ صفةَ الاستدامة.

 

والحديثُ عن الاقتصادِ يجرُّنا للحديثِ عن مدينةِ الصخيرات الوادعة، التي تستضيفُ هذا اللقاءَ الفكري. فالمدينةُ تُجسِّدُ الدورَ الحيويَّ للاقتصادِ في ازدهارِ الوطنِ والمواطنِ وتحقيقِ التكاملِ المنشود. فيوجدُ في رحابِ هذه المدينةِ الجميلةِ معملُ النسيجِ الأكبرُ في أفريقيا وكذلك شركةُ تركيبِ الطائراتِ ومعملُ الحديدِ الضخم. لقد شكّلتْ تلك المرافقُ الصناعيةُ مع الطبيعةِ الساحرةِ، التي تتسمُ بها، مزيجا جاذباً للتنميةِ ودافعًا للاقتصاد. 

 

وهنا أودُّ الانتقالَ من الحديثِ عن التكاملِ الاقتصادي بين الدولِ على الصعيدِ الإقليمي إلى الحديثِ عن التكاملِ الاقتصادي بين القطاعاتِ المختلفةِ داخلَ الدولةِ الواحدة، فالتكاملُ عمليةٌ تبدأُ من الداخلِ، بل من الضروري أن تبدأَ على صعيدِ المؤسسةِ الواحدة، حيثُ أن تعضيدَ التكاملِ الاقتصادي داخلَ الدولةِ الواحدةِ يؤدي إلى تسهيلِ عمليةِ التكاملِ والاندماجِ الإقليمي بناءً على المميزاتِ النسبيةِ المتوفرةِ في كلِّ دولةٍ على حدة.  

 

وكما هو معروفٌ، فإن كثيرًا من المؤسساتِ تفتقرُ للتكاملِ بين وحداتِها المختلفةِ التي قد تكون في مواقعَ جغرافيةٍ متعددةٍ وذاتِ طبيعةِ أعمالٍ متنوعةٍ مما يؤثِّرُ على كفاءتِها وقدرتِها التنافسية. ولا شك أن الشركاتِ الكُبرى بما تمتلكه من ثقلٍ اقتصادي وقدراتٍ متطورةٍ بإمكانها أن تلعبَ دوراً إيجابياً في تحفيزِ التكاملِ المؤسسي وتكاملِ سلسلةِ القيمةِ بين القطاعاتِ التصنيعيةِ والخدميةِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ بما يُعزِّزُ التنميةَ الاقتصاديةَ على المستوى الوطني والإقليمي. 

 

وأودُّ في هذه الكلمةِ أن أقدّمَ بشكلٍ مختصرٍ تجربةَ أرامكو السعودية في تطويرِ الثروةِ الطبيعيةِ والبشريةِ لتحقيقِ التكاملِ وتحفيزِ التنميةِ والتنافسيةِ على الصعيدِ الوطني. 

 

أيها الحضورُ الكريم:

لقد قرّرنا قبل 3 سنواتٍ، ضمنَ إطارٍ استراتيجيٍّ للتحولِ المتسارعِ، أن نعزّزَ من قوةِ أرامكو السعوديةِ وقوةِ المملكةِ في مجالِ إنتاجِ وتكريرِ البترولِ وذلك بأن نستثمرَ بشكلٍ ضخمٍ في التكاملِ مع قطاعِ البتروكيميائيات والقطاعاتِ التصنيعيةِ والخدميةِ المساندةِ للطاقة. 

 

وبذلك، أصبحَ لنا هدفٌ جديدٌ وجَسُورٌ بأن نكونَ بحلولِ عامِ 2020 أبرزَ شركةٍ عالميةٍ متكاملةٍ في مجالِ الطاقةِ والبتروكيميائيات، لتحفيزِ التنوعِ الاقتصادي الوطني. وهذا لن يتحققْ دون أن تتكاملَ أعمالُ الشركةِ مع غيرِها من القطاعاتِ والمؤسسات. وسأستعرضُ هنا أربعةَ محاورٍ رئيسةٍ تُمثِّلُ بعضَ المحاورِ التي تنتهجُها الشركةُ في سياقِ التكاملِ وهي: التكاملُ على الصعيدِ الوطني في التعليمِ والتدريبِ، والتكاملُ في الابتكارِ والأبحاثِ وتطويرِ التقنيةِ، والتكاملُ في الصناعاتِ البتروكيميائية والتحويلية، وأخيرًا تحفيزُ ريادةِ الأعمالِ والصناعاتِ والخدماتِ المساندةِ للطاقة.

 

ففي صعيدِ تكاملِ التعليمِ والتدريبِ، رأتْ أرامكو السعودية عدمَ الاكتفاءِ بتدريبِ وسعودةِ موظفيها، بل لا بدَّ من الإسهامِ بشكلٍ ملموسٍ في تأهيلِ الشبابِ السعودي الذي لا يعملُ بشكلٍ مباشرٍ لديها، وتوفيرِ فرصِ عملٍ ملائمةٍ لهم مع المقاولين والموردين بما يُحقِّقُ توطينَ تلك الوظائف واستدامةَ سلسلةِ الإمداد. وبذلك شَرَعَتْ الشركةُ في عملِ تحالفاتٍ مع شركاتٍ وطنيةٍ كُبرى للاستثمار في برامجَ ومشاريعَ تعليميةٍ وتدريبية، وذلك بالشراكةِ مع قطاعِ التعليمِ العامِ والجامعاتِ ومؤسسةِ التدريبِ الفني والمهني..

 

وفي صعيدِ الاستثمارِ في تكاملِ المعرفةِ، بما في ذلك الابتكارُ والأبحاثُ والتقنية، فقد ضاعفت الشركةُ استثماراتِها في هذا المجالِ بمقدارِ خمسةِ أضعافٍ عمّا كانت عليه قبل 3 سنوات. وقد أنشأتْ شبكةً عالميةً متكاملةً لمراكزِ البحثِ والتطويرِ داخلَ المملكةِ وخارجها. كما قامتْ بتحفيزِ شركاتٍ عالميةٍ مرتبطةٍ بصناعةِ الطاقةِ بالاستثمارِ في مراكزِ البحثِ والتقنيةِ داخلَ المملكة، كما هو حاصلٌ في وادي التقنيةِ بالظهران في جامعةِ الملك فهد للبترول والمعادن. 

 

وإذ نحنُ الآن قريبونَ من ساحلِ المحيطِ الأطلسي في مؤتمرِ فكر، يجري الآنَ في هذه اللحظاتِ على ساحل الخليج العربي في الظهران حدثٌ مهمٌ وهو توقيعُ اتفاقيةِ (تكنوفيا)، الذي يُمثِّلُ تكاملَ الجهودِ بين 6 مؤسساتٍ وطنيةٍ كُبرى في المملكة من بينها أرامكو السعودية. هذا التكاملُ يهدفُ لتتجيرِ الابتكارِ وبراءاتِ الاختراعِ والملكيةِ الفكرية، علماً بأن  أرامكو السعودية تحصلُ عبرَ إبداعاتِ موظفيها على نحو 100 براءةِ اختراعٍ سنوياً. لقد أدركتْ الشركةُ  أن الحقبةَ الجديدةَ القادمةَ التي ستدفعُ بنمو اقتصادِ الوطنِ ورخاءِ العالمِ سترتكزُ على صنعِ المعرفةِ عوضاً عن استهلاكها. وتفخرُ الشركةُ بتنفيذها لجامعةِ الملك عبدالله للعلومِ والتقنيةِ التي تعملُ على تعزيزِ الاقتصادِ المعرفي وتنويعِ الاقتصادِ في المملكةِ والعالمِ عبرَ أبحاثها وشراكاتِها المتنوعةِ والطموحة. وضمن توجهِ دعمِ تنميةِ مجتمعِ الفكرِ والمعرفةِ والإبداع، نقومُ  حالياً بإنشاءِ مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي ، الذي يهدفُ ببرامجِهِ المعرفيةِ المبتكرةِ إلى إلهامِ أكثرَ من 3 ملايين شخص سنويًا في أنحاءِ المملكة، وسيكونُ منصةَ تكاملٍ معرفيٍّ مع المؤسساتِ الثقافيةِ والفكريةِ في العالمِ العربي. 

 

وعلى صعيدِ الاستثمارِ في تكاملِ الصناعاتِ البتروكيميائية والتحويليةِ، فهناك سلسلةٌ من المشاريع المشتركةِ العملاقةِ كمشروع صدارة في الجبيل مع داو كيميكال الذي يُعَدُّ الأكبرَ من نوعهِ على مستوى العالم بحجمِ استثماراتٍ إجماليٍّ يبلغُ نحو 20 بليون دولار، سيسهمُ بشكلٍ فاعلٍ في تنويعِ القاعدةِ الصناعيةِ وتوطينِ التقنيةِ المتقدمةِ في المملكة. 

 

وعلى صعيدِ ريادةِ الأعمال والصناعاتِ المساندة، تواصلُ أرامكو السعودية مساعدةَ جيلٍ جديدٍ من سيداتِ ورجالِ الأعمال من خلال مركز أرامكوالسعودية لريادةِ الأعمال، الذي يهدفُ إلى دعمِ المشاريعِ الرياديةِ الشبابية. وهناك العديدُ من قصص النجاحِ الملهمةِ بعد أن قامتْ الشركةُ بدعمِ تأسيسِ نحو 50 شركةً صغيرةً ومتوسطةً ذاتَ طابعٍ مبتكر. 

 

وقبل ان أختتمَ كلمتي، سأستشهدُ بأحدِ المشاريعِ المقبلةِ التي تعتزمُ أرامكو السعودية تنفيذَهَا والتي تجسّدُ عنوانَ هذا المؤتمر وتحتشدُ فيه المحاورُ التي تطرَّقتُ لها آنفًا. هذا المشروعُ هو مدينةُ الطاقةِ في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.  فالشركةُ رأتْ السعيَ إلى توطينٍ شاملٍ لقطاعاتِ النفطِ والغازِ، والبتروكيميائيات، والكهرباءِ، وتحليةِ المياهِ وتحقيقِ ما بينها من تكاملٍ، فقرَّرتْ إنشاءَ هذه المدينة الطموحة التي من أهمِّ أهدافها إيجادُ مصادرَ جديدةٍ للدخل، يُتَوَقَّع أن تُضيف للناتجِ المحلي للمملكة حوالي 9 مليار دولار سنويًا عند تنفيذها بالكامل، كما ستتيحُ خلقَ فرصِ عملٍ كبيرةٍ تُقدر بأكثرَ من 300 ألف فرصةَ عملٍ مباشرةٍ وغيرِ مباشرة. إنَّ هذه المدينة هي مثالٌ للتكاملِ المنشودِ بين الجهاتِ والمؤسساتِ العامةِ والخاصة، المحلية والإقليمية والعالمية. 

 

أيها الحضورُ الكرام:

في الختام، أودُّ التأكيدَ بأن حلمَ التكاملِ وإن كان مسارُهُ طويلا ومعقدًا، إلا أنه جديرٌ بأن نسعى لتحقيقِهِ باتخاذِ خطواتٍ ثابتةٍ وإن كانتْ صغيرةً، ابتداءً من بوابةِ الاقتصادِ المبني على التنافسيةِ والمصالحِ المشتركة، آخذينَ بالاعتبارِ القواسمَ المشتركةَ بيننا كنقطةِ قوة. كما أؤكدُ أنَّ التكاملَ يبدأُ من الداخلِ على الصعيدِ المؤسسي والوطني وصولاً للتكاملِ الإقليمي والعالمي، وأن الشركاتِ الكبرى إذا اتَّخذتْ نظرةً شموليةً، يمكنُها أن تلعبَ دورًا إيجابيًا نحو تحفيزِ التكاملِ مع القطاعاتِ الأخرى في سلسلةِ القيمة بما يُسهمُ في استدامتِها، وتعزيزِ الرخاءِ والازدهارِ في مجتمعاتِنا. 

 

والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،،،